|
أقمح هذا النهر
سعد الدوسري

TheFruit,
Carafe and Glass-Picasso-1938
ليلٌ طاعنٌ بالنيل، وكلابٌ تصوغُ البَرَّ بنباحٍ يُكسّرُهُ الهواء.
وسواهما، ليس في المركب الغارق في النوبةِ، أحد.
أتعرفين الى أين نحن ذاهبان؟!
لا يهم، ما دامتْ كفُكَ تستنطق الشهادة من كفي.
تطايرتْ من كتفها أشرعةٌ ربطَ حبالَها من نهر الى نهر. كلّ ماء كان
يحفر على أصابعهما موالاً يُبريءُ صحراءهما. يختاران دوماً مدناً
زرقاء، ليسفحا على سماواتها هلالهما الذي أنبتاه في قمقم من الخزامى،
وصارا ينتظران صدفة الصيف او غفلة الشتاء، ليطيرا به، مُخبّاً في حرير
شفاههما، الى هدأة يقرعان على صفيحها ترانيم بدرٍ للتو صار بدراً.
شرفةٌ حاكها بردٌ متهدجٌ باختلاط الفصول، وبها وهي تمسح كُحْلَ السفر
عن عينيها، لترسمه على شفتيه اللتين لم تتوقفا طيلة الطائرة عن
الهذيان:
الشجرة الآن ترقص ثمراً، والعصافير استسلمتْ للريح، فتركتْ ريشها لعنان
الوسائد. أنا واقفٌ على حافة المِسكِ، خلفي ثمانُ خيول لم أسرجها بعد،
فافتحي صَدْرَكِ كي أروّض هذه النار التي أكلتْ تفاح صبري. افتحي صدرك
ليلتقي خيلي بخيلك، وصهيلي بهديلكِ. توجعني النار التي صببتِها في هيكل
صمتي، وكلما أبوح، تضرمينها في جسدي. محترقٌ أنا بأطواق الأسئلة
المعجونة بأهدابكِ. تذرفين عتابكِ على أعتاب صعلكتي، وأنتِ تدرين أنني
لم أهِمْ في الصحراء إلاّ لأجدكِ. وكيف لي، وأنا حارسُ جسدكِ الذي
يحارب الشمس، كيلا تسقط خيوطها على فتنتكِ، دون أن أمسّ شعرةً من
خصالكِ؟! ها أنا الواقف الموجوع المحترق الهائم، أغرس في الوجوم صراخي،
لأرشِدَكِ لي. واراك تستلّين البياض من لثغة عينيّ كيما تتسعُ المشاهدُ
لي.
* * *
شرفة تهدهدهما، فينامان كطفلين أتعبتهما فراشةٌ مقدّسةٌ عن المصائد.
|