مرايا النوم
سعد الدوسري
 


Galatea of the Spheres/Salvador Dali

 

وترغمك الموسيقى المنبعثة من الجثة العارية، الممدودة فوق سريرك على الدوران حول النقطة التي يغرسها مصباح السقف على الأرض... تدور ... تدو... تدور.. هكذا منذ تبتدئ الموسيقى... ومن فتحة في مؤخرة العتمة يتقاطر إلى أذنيك صوت خطوات منتظمة، فيغمرك شعور عاصف بالرقص لكنك تكون قد أشهرت مفاتيح غيبوبتك، فتسقط... ينفتح الباب.. تدخل امرأة من خيوط حريرية، فتمنح الجثة العارية نصف خيوطها، وتمنحك البقية... تكون أنت الآن مقيد الأيدي والأرجل وتكون الجثة منسوجة في كفن كامل... أما المرأة فتصير عارية تماما.. تفتتح المرأة هذا العربي برقص خائف من عينيك المحمومتين نحوها... يصعد اسوداد عينيك مع صعود جسدها النافر في هوء الغرفة... يختفي الاسوداد، وتصير عينك أوردة من بياض مبلل باحمرار تحلق المرأة فوق جسدك المدد البادئ في الانتفاض تهبط حتى تبدأ أنت تستنشق رائحة الماء في إبطيها.. تزحلق في الهواء وتشعر أن أصابع رجليك تنغمس في كثبان شعرها.. تنتفض أكثر حين تحس أنها تدخلك من بين أظافر رجليك تنتفض الآن باتساع أعضائك كلها وتصير الخيوط التي تقيدك زجاجا يتكسر لارتعاشاتك.. تقف منتشيا.. تضرب الأرض بكفيك وتقفز تضربها وتقفز وتقفز.. تلتقط هشيم الزجاج وتقطع به شرايينك واحدا واحدا... تتلون بالدم .
فتزاداد في الرقص.. يزبد فمك فنتراشق الزبد نتفا على أرض الغرفة، وتكبر كل نتفة فتغدو وجها.. تمتلئ الغرفة بالوجوه التي تعرفها والتي لا تعرفها.. يزداد هياجك لمنظرهم، وهم يطالعونك بتشف ناقع.. يضيق المكان بهم، فتقفز قفزة عالية توصلك للجثة المكفنة.. تبدأ في رقص ضيق لا تلامس فيه سوى الجثة... وحين تحس أن الوجوه المحتشدة صارت تلاصقك وتتنفس هواءك، تلوي جسدك صارخا، وتدخل جسد الجثة من بين أظافرها ... يبدأون يراقبون الجثة ببلاهة في حين تأخذ الموسيقى المنبعثة منها تتقطع شيئا فشيئا حتى تنعم ... يحملون الجثة على أكتافهم.. يفتح أحدهم الباب، ويخرجون جميعا .. أثناء سيرهم في شوارع الحي المقفرة تتناوب جدران البيوت المهدمة في إطلاق زعقات باللورية يتشقق لها قماش الكفن الحريري.. تشعر وأنت محمول على أكتافهم بأصابعهم تتسلل عبر شقوق الكفن لينترعوا شيئا من لحم الجثة.. تراهم يمضغون اللحم بعد أن يفسخوا الجلد عنه ويرمونه في عرض الطريق.. حين يصلون المقبرة، تكون الجثة قد تلاشت، ولم يبق سوى الكفن الممزق.. في أحد القبور المفتوحة يرمون قطعة القماش ويضرمون النار فيها ويصيرون يدورون حولها، ولا يتوقفون حتى يسمعوا من آخر الحي، صيحة أشبه العويل يصدرها ديك عجوز شوهته نار الشمس فصار حين يقترب شروقها ينفض جناحيه المكسورين باتجاه السماء ويزعق مسترحما.. يتوقفون، وتتحول قاماتهم إلى شجر مشتعل... يهدر شلال الفجر في كتف الليل فيتبخرون.. ينفجر الفجر، فتتقافز قطع الجلد التي كانت متناثرة على الطريق وتلتصق ببعضها البعض وتعود إلى الغرفة: إلى جسد يتقلب ذات كل اتجاه طلبا لنوم أو بعض نوم... .

 

 

 

عـودة >>

الرئيسية  | مسيرة آسيا  | مسيرة أفريقيا  | مسيرة أوروبا  | مسيرة أمريكا  | الدليل الأدبي  | المكتبة التفاعلية

عن المسيرة الإلكتروني |  

website statistics
جميع الحقوق محفوطة للمسيرة الالكتروني 2003 - 2008 م
© 
hitcounter