جسدُ الحائر
سيمون نصار

 

Willem de Kooning-WomaIV-1952


في الغرفة،
الجسد لا يرتعش لوقته، تنقصهُ
ثلوج كثيرة وبَرَد.
في الغرفة يغيب الجسد، تنقصهُ،
ليكمل مشهد صلاتي، ملابس شفافة
وشمس
ونيران تذيب ماتجمد من عروق.
في الغرفة الجسد أخرس، تنقصهُ
أعين براقة وفم بلسان كشفرة.
في الغرفة،
صمتٌ كثيف كثيف
وتلاويح فاجعة.
الطيور التي كانت تخرج من البحر على
شكل ابتسامة
جعلت مني عنقود دمٍ يتدلى من فمها.
كان البحر مزهواً بأضواءه المعتمة
والليل يزحف نحوي كتمثال لم تغادره
الروح
تجلس أمامي فيتلاشى الصقيع من
أوردتي
ورجفة لا تزال على شفتاي
تعيق تقدم الكلام الآتي من الأعماق لها.
في الغرفة الجسدُ مكبلٌ وهامد، تنقصهُ
لغة بسيطة، وبضعة خرائط لاستباق
الوقت
وهواءٌ
ولمسٌ
وشمعٌ... لاكتشاف الطريق
وبصيرة من يغزو لأول مرة تضاريس الآخر.
في الغرفة الجسد يقف كلوحة بيضاء
بمنتصف الجدار، ينقصهُ
من يحمل ألواناً ويُدخل الى مَعبدهِ الحياة
مثل مرآة تقف على الذاكرة الميتة
لشخوصها.
في الغرفة الجسد يفتح مثلما الباب الذي
يفضي الى اللغز،
أو الى السر الذي يتجلى في هيكلها.
وثمة حواجز قاسية تحاول اعتقال الحب
لحظة ولادته.
وثمة عقول تخاطب ما تناثر من مفردات
وإشاراتٍ
وأحاديث تلاشت تنبىءُ عن الإنتصار.
في الغرفة جسدها بهيٌ كحلم
وأعين مريضة تحاول اختراق المشهد
المتواصل لحضورها، ولا تصل.
في الغرفة هذا المساء،
قط يداعب شعرها الذهبي كسنابل
الحقول
وأضواء خافتة في عينيها تطيل عمر
النهار.
كأن الليل لم يصل بعد الى وجنتيها
والجسد المرمري لا يكشف عُريِّه للريح،
ولايُسلِمُ جوفه للذي يسافر منها الى
نفسه.
في الغرفة جسدٌ فضوليٌ،
يحاول نبش تفاصيل زمن سيأتي
ويمضي
مثلما البروق في ليالي العاصفة.
في الغرفة جسدها الأملسُ، ناعم الوبر
للمسته مشقاتٌ لا تحصى
واليد تهرب من فوضى حواسها الى
معانقة العتم،
على حافة الدرج.
في الغرفة الجسد لا يسكن نفسه، تنقصهُ
سنين طويلة لبلوغ الكلام
وقلباً عظيم التجارب.
في الغرفة،
نصٌ قديم في عينيها، وكتاب هوى.
في الغرفة، جسدها مثل عاصفة يمتد
من أول الليل الى آخر الشمس،
وأنا مرخياً،
ضئيلاً مثل قشة.
نجمة هذا المساء،
لأنك وطني الذي ألتجيء إليه ساعة ضياعي
ولحظات تشردي في البلاد البعيدة
وفي أعماق المحيطات المتجمّدة.
نجمة هذا المساء
لأنك وسادة روحي
وبيتي الكثير النوافذ المشرعة للوقت،
لا تستقيم ايامي إلا بلمس يديك، وبعدها
فليباغتني هذا الكوكب بشتاءٍ عاصفٍ
ودمار في الحنجرة....
 

 


نشرت في " السفير الثقافي " 21 تموز 2000

خاص بالمسيرة الإلكتروني

 

 

 

      عــودة  >>

الرئيسية  | مسيرة آسيا  | مسيرة أفريقيا  | مسيرة أوروبا  | مسيرة أمريكا  | الدليل الأدبي  | المكتبة التفاعلية

عن المسيرة الإلكتروني |  

website statistics
جميع الحقوق محفوطة للمسيرة الالكتروني 2003 - 2008 م
© 
hitcounter