الحفائرُ تتنفّس *

عبداللّه التعزي
 

 

Bohemia Lies by the Sea - 1996

" يلفُّ نورُ الصباح رؤوسهم المُحاطةُ بالهواء البارد المُنبعث من الأرض . ومع زحف الضوء نحو السماء ، تبدأ مسيرتهم ؛ مسيرةُ عبيد خرساء تُعطي همساً مُتسلّلاً في الأفق يزيدُ من ارتفاع الشمس ، ويدفع أنفاسهم للخروج قويّةً من أنوفهم المُتيبّسة ، لتمدّدَ الدّم الى أن يصلَ الى أطرافهم .
مع ارتفاع الشمس تظهرُ جبالُ الحفائر صلبةً .. باهيةً ، متعطرةً بأنفاس الليل ، فتسري قشعريرة صباحهم الباكر ، تلفحُ ببردها أرواحهُم المُرتجفة .
كانوا يُساقونَ كهزيمة . يتقدّمهم النخاسُ بملابسه المُتسخة الأطراف ، وقد اسودّت أظافرة بترسّب أوساخ تكوّمت تحتها . بدا كأحد القادةِ المُنكسرين ، قديماً ، مترباً ، تعلوه صُفرة الدهر .
ينتعلونَ أحذيةً مهترءةً من الجلدِ القاسي ، مربوطةً في منتصفِ سيقانهم . فتصبحُ أقدامهم محاصرةً بأنفاس الجلدِ الميّت المشدود حولها ، فيما هُم يرتاعونَ من هذا الموت الحيّ الملتصق بأقدامهم المُتعبة . تُثارُ حول أقدامهم الأتربة الناعمة و تتطاير ذرّات الغبار ، فيستنشقونها بخوراً متصاعداً ، و يدخلونها الى صدورهم همّاً يلتقطونه من الهواء .
من أطراف الحفائر الغائرة يتقدمون بهمهماتهم المُنتظمة . و خُطواتهم الساحبةُ تُصدر أصواتاً مرتفعة كلّما اقتربوا من الدّكة**. يلهثون ، فيسخنُ الهواء حول وجوههم .
أخذَ بعضهم يستندُ الى زميله ، بينما الصغار منهم لا يكفّون عن الكلام . من بعيد ، يبدون كقبيلة صغيرة من البدو ، قادمة من وسط الصحراء ، والشمسُ فوقهم تتوهّج بأشعّتها . يبدونَ من البعيد ، كأنّهم مربوطون ببعضهم البعض ؛ الرجالُ أولاً ثمّ النساء . عندما تلوحُ دكّة البيع من بعيد ، يكون العبيد السود منهم قد سخنت الدماء في عروقهم ، وتضخّمت عضلاتهم تحت جلودهم اللاّمعة ، و تقسّمت ، فيرتفعُ سعرهم عند البيع . أمّا النساء البيض فتضُخُّ حرارةُ الشمس دماءهُن ، فتحمرُّ وجوهُهن وتغتسلُ بالعرق ، عندها ينشدُّ الجلد جول هذه الوجوه النضرة ، فتبدو صافيةً كأنّها مملوءة صحّة وجمالاً . وعندما يبدأ البيع تختلطُ الأصواتُ وترتفعُ همهماتُ المُنادين بنقاشاتٍ لاتنتهي .
لا أذكرُ أين شاهدت هذه المسيرة ، ولا كيفَ وصلتني تفاصيلها الدقيقة ، ولكنني متأكّد أنها حدثت

 فعلاً .."
 

** ** **


".. توقّفتُ عند طرف الساحة الواسعة والمُمتدة في طرف مكّة الخفي . خلاء كبير يمتدُّ حتى الأفُق . أتطلّعُ الى الجثث المنتشرة كيفما اتفق . بساطٌ من الأجساد الممددة يحجبُ كثيراً من النباتات البريّة المُنتشرة . كانت معركة كبيرة مع أهل مكّة . تتراءى لي من بعيد مسيرةُ العبيد تُدُمدم ويرتفعُ غبارها منتشراً في الأفق كضباب قاتم ، ليظهرَ قُرص الشمس ملتهباً ببرودة غامضة . انتشرت بعض العمائم الحلبية مفرودة وبعضها ملفوف بلا رؤوس فبدت كأنّها تبحثُ عنها . الرياحُ أخمدت أنفاس المُتحاربين فلا يُسمع سوى صفيرها بين العِظام . كانت المعركةُ قد استمرّت يومين ، أتخمت بعدها الأرض بالدماء القانية . لفّ سكونٌ موحشٌ السّاحة فلا يوجد أنين أو همس . كلّ ما بقي بقايا جثثٍ مُتعفّنة وفروع لأشجار يابسة تتلاعبُ الرياحُ فوقها بلا صوت . لم يخرج أحدٌ بعد المعركة ، من منزله ليومين ، ربما حداداً و ربما تأكّداً من موت الجرحى . ظلَّ الناسُ يتوجسون الاقتراب من أرض المعركة لمدة أربعة أشهر .
عندما وجدتُ نفسي في طرف الأرض ، كانت بعضُ بنادق البارود تظهرُ أطرافها المتكسّرة من بين التراب . لم يكُن هُناك جثثٌ مُكتملة ؛ إنّما عظامٌ مغطاة بملابس ممزقة كيفما اتفق . هبّت نسمةُ هواء قويّة حرّكت الأظافر الجافة فارتفعت أصواتُ حركتها بحزن مكتوم ونواح خفيّ متجاوبةً مع الألم المنثور فوق التراب ؛ لتسمّى المنطقةُ أمُّ الدود بعد ذلك . هززتُ رأسي ممزقاً ضوء الشمس ومُسكتاً تلك الأصوات البعيدة والممزوجة برائحة العبيد المنهكين من السير بلا توقّف . كان خيطُ العبيد المتحرّك يبدو من بعيد كخيطٍ من النمل الأسود المجتهد في السير من دون أن يعرف الآخرون الى أين يذهب . لقد أصبحوا كثيران الساقية ، معصوبي العيون ، ومنهمكين في ترحالهم المستمرّ مدى الحياة ، لايدرون سبباً لسفرهم الدائم هذا .
هؤلاء العبيد يتشكّلون أمامي وكأنني سيدهم . أستمطرُ عليهم اللّعنات . لقد سئمتُ بلاهتهم هذه . كيف يعبرون أمامي هذه الغرفة بمسيرتهم العمياء تلك . يداخلني إحساسٌ بأنّهم يرغبون في عمل شيء ضدّي ، ربّما ليدفعوني الى التصديق بوجودهم .. "
 

 


* مُقتطفات - رواية " الحفائرُ تتنفّس " عبدالله التعزي 2002م دار الساقي

** دكّة : مكان بيع العبيد في مكّة .

خاص بالمسيرة الالكتروني

 

 

      عــودة  >>

روابط دعائية

الرئيسية | مسيرة آسيا | مسيرة أفريقيا | مسيرة أوروبا | مسيرة أمريكا | الدليل | عن المسيرة

Google
 

website statistics
جميع الحقوق محفوطة للمسيرة الالكتروني 2003 - 2008 م
© 
hitcounter