معلمّة البيانو*
ألفريدة يلينيك
 

Hot Jazz II/D.Hurd


إن ما يجذبها إلى ركوب حافلة الترامواي هو ثقل الآلات الموسيقية، التي تتدلى من جسدها، من الأمام والخلف، بالإضافة إلى الحقائب المحشوة. فراشة مثقلة بالأحمال. إن هذه المخلوقة تشعر أن في داخلها قوّة كامنة لا تكفيها الموسيقى وحدها. تحكم هذه المخلوقة قبضتها على مقابض آلات الكمان والفيولا والناي. إنها تحبّ أن تستخدم طاقتها بطريقة سلبية، رغم عدم وجود خيار أمامها. تعرض الأمّ عليها الاختيار: عدد كبير من الحلمات في ضرع البقرة التي تُعرف بالموسيقى.

ترتطم بالناس من الأمام والخلف بآلاتها الوترية، وآلاتها الهوائية، ونوطها الموسيقية الثقيلة الكبيرة. أسلحتها ترتطم بهؤلاء الناس، الذين يشكلون حاجزاً من المطاط. وإذا عنّ لها أحياناً، كانت تحمل الآلة الموسيقية في حقيبتها بيد، وتدفع بخبث يدها الأخرى نحو معطف شتوي لأحدهم، أو معطف مشمّع ذي قبعة، أو سترة صوفية سميكة. إنها تلعن الزيّ الوطني النمساوي، الذي تحاول أن تتزلف إليه، تبتسم ابتسامة عريضة لجميع الأزرار المصنوعة من قرن الأيل. تحاكي طياري الكاميكاز الانتحاريين، تستخدم نفسها سلاحاً. ولكنها، وبطرف الآلة المستدق الطرف (أحياناً الكمان، وأحياناً الفيولا الأثقل وزناً)، ترتطم بأناس متعبين من العمل. فإذا كانت الحافلة مليئة بالناس، في حوالي الساعة السادسة مساء، فقد تسبب جروحاً لعدد من الأشخاص بسبب تأرجحها. إذ لا يوجد في المكان متسع لتتأرجح فيه بحرية. إنها الاستثناء للقاعدة التي تحيط بها على نحو بغيض. وتحب أمّها أن تشرح لها بدقة شديدة أنها نسيج وحدها، لأنها طفلة أمها الوحيدة، ويجب أن تتمسّك بالاستقامة والتشدد. ففي كلّ يوم، ترى في الحافلة الناس الذين لا تريد أن تصبح مثلهم. تشق طريقها عبر السيل الجارف الرمادي من المسافرين ممن يحملون أو لا يحملون تذاكر، الذين صعدوا للتو، أو الذين على وشك النزول، أولئك الذين لم يحققوا شيئاً في حياتهم وبقوا في أماكنهم، والذين لا يعرفون إلى أين سيتوجهون. إنهم يمثلون أيّ شيء سوى الأناقة. وبعضهم ينزل من الحافلة حتى قبل أن يستقر بهم المقام فيها.

وإذا أدى بها غضب الجماهير إلى مغادرة الحافلة، حتى لو كانت لا تزال بعيدة عن البيت، يتلاشى غضبها المركّز في قبضتها، فتتقهقر طوعاً، وتترك الحافلة في الواقع - ولكن لتنتظر بأناة الحافلة القادمة. هذه السلاسل لا تنكسر أبداً. وبعد أن تشحن طاقتها، تشن هجوماً جديداً. تحفّ بها الآلات، تترنح وهي تشق طريقها بصعوبة بين جموع العمّال العائدين إلى بيوتهم، تنفجر بينهم مثل قنبلة انشطارية. وإذا دعت الضرورة، تخفي مشاعرها الحقيقية وتقول: "آسفة سأنزل هنا"، وتكون الموافقة بالإجماع. يجب أن تترك العربة العامّة النظيفة في الحال! فهي ليست لأشخاص من أمثالها. **

يحدقون في طالبة الموسيقى، ويظنون أن الموسيقى قد جعلت روحها تسمو، لكن الشيء الوحيد الذي سما وارتفع فيها هو قبضتها. أحياناً، يُتّهم شابّ أشيب الشعر ويحمل وعاء مهترئاً يضع فيه زاده ظلماً بأنه هو من ارتكب الأشياء البغيضة، لأنه على الأرجح مذنب. من الأفضل له أن يخرج ويعود إلى أصدقائه قبل أن يمسك بها بذراعه القوية.

الجموع الغاضبة التي هي دائماً على حقّ بسبب الشلنات الثلاثة التي يدفعونها، ويمكنهم أن يثبتوا ذلك إذا ما صعد المفتش. وفي أثناء التفتيش المباغت، تبرز الجماهير الغاضبة تذاكرها التي وسمت بافتخار، وتغدو الحافلة كلها لها. وبهذه الطريقة، توفر على نفسها أسابيع من العذاب الممض، وهي تتساءل عن إمكانية صعود مفتش على نحو مباغت.

إحدى السيدات، التي تحسّ بألم بذات العمق الذي تشعره أنت، تصرخ فجأة. فقد ركلها أحدهم في ساقها، ذلك الجزء الحيوي الذي يستند إليه بدنها. في وسط هذا الدفع والتدافع الخطر، لا يمكن تحديد من هو المذنب، الصادق مع مبدأ الذنب. وتمطر الحشد بوابل من الشتائم واللعنات والإهانات والشكاوى والتوسلات والاتهامات. يخرج ذلك العويل من الأفواه التي تنفّس عن غيظها، توجه التهم إلى الآخرين. الركاب محشورون مثل سمك السردين، بفارق أنهم لم يُغمروا بالزيت. لكنهم سُيطلون بالزيت في ما بعد.

تركل بشراسة عظمة صلبة، إنها عظمة رجل. كانت ذات يوم برفقة طالبة زميلة لها، تنتعل حذاء ذا كعب عال رائع، يشتعل كلهب أبدي، وترتدي معطفاً جديداً مبطّناً بالفراء من آخر طراز. تسأل الفتاة إريكا بلطف: ماذا تسحبين وراءك، ما اسمه؟ أقصد هذه العلبة هنا، لا رأسك في الأعلى هناك. إنها آلة الفيولا، تجيب بأدب. الفيولا؟ يا لها من كلمة غريبة، لم أسمع بها من قبل، تقول الشفتان المطليتان بأحمر الشفاه ببهجة. إن إحداهن تحمل شيئاً يدعى الفيولا، لا يؤدّي أيّ غرض ملحوظ. وعلى الجميع أن يفسح لها الطريق لأن الفيولا هذا يأخذ حيزاً كبيراً. إحداهن تسير وتحمله علناً، ولا يمكن لأحد أن يقبض عليها بالجرم المشهود.

يمسك الناس بإحكام المقابض الجلدية المدلاة، وأولئك الشياطين القلائل المحظوظين الذين وجدوا مقاعد لهم – تشرئب أعناقهم فتبرز من أبدانهم المنهكة، لكن بدون جدوى، فهم لا يرون أحداً. وليس ثمة أحد يمكن مهاجمته لأنه يعامل سيقانهم بخشونة بجسم صلب. "أحدهم داس أصابع قدمي"، وينهال سيل من الكلمات النابية من أحد الأفواه. من فعلها؟ لقد عقدت محكمة فينيسي ترويلي الأولى، ذات الصيت السيئ في العالم، جلستها لتصدر تحذيراً وتتخذ حكماً. في جميع الأفلام الحربية، ترى دائماً شخصاً واحداً على الأقل يتطوّع لتنفيذ أي مهمة، حتى لو كانت مهمّة انتحارية. لكن هذا الكلب الجبان، يتوارى وراء ظهورنا الحليمة. حفنة من العمّال المهلهلين، على وشك التقاعد، يحملون حقائب عدتهم على أكتافهم، يتدافعون ويتراكلون للنزول من الحافلة. يمشون الهوينى إلى الموقف التالي! عندما يعكّر كبش السلام والهدوء صفوف جميع الخراف في الحافلة، فستحتاج يائساً إلى تنشق هواء نقي، ولن تجده إلا خارج الحافلة. وإن كنت ذاهباً لتوبخ زوجتك في البيت، فعليك أن تتنشق الأوكسجين أولاً، وإلا فلن تتمكن من تقريعها. شيء ذو لون وشكل مبهم، يبدأ يتمايل وينزلق. يصرخ أحدهم كما لو كان قد طُعن في ظهره. سحابة كثيفة مشبّعة بالبخار من سموم فيينا تخيم فوق هذا المرج العامّ. بل إن أحداً ينادي الجلاد لأن مساءه عُكِّر قبل الأوان. عجباً، لكنّهم غاضبون. لم تبدأ راحتهم المسائية بعد، التي يجب أن تكون قد بدأت منذ عشرين دقيقة. أم أنها بترت على حين غرة، كتلك المجموعة الملوّنة التي تصور حياة الضحيّة (التي توجد فيها تعليمات أيضاً)، ولا يمكن إعادتها إلى الرفّ. (لا يمكنه أن يحصل على مجموعة سليمة جديدة، وإلا لاعتقله موظف المبيعات بتهمة السرقة. اتبعني بهدوء! لكن الباب الذي يفضي، أو يبدو أنه يفضي إلى مكتب المدير، باب زائف، ولا توجد إعلانات عن أشياء أسبوعية خاصة ملصقة على نوافذ السوبر ماركت الجديد. لا يوجد شيء، لا شيء على الإطلاق، مجرد ظلام، ويغوص الزبون في حفرة عميقة الأغوار). يقول أحدهم إن هذا الشيء مألوف في المركبات العامة في لغة الدواوين: يجب أن تغادر هذه الحافلة على الفور. خصلة من شعر الشاموا تنمو بغزارة فوق إحدى الجماجم. الرجل متنكّر في شكل صيّاد.
 


 


ألفريدة يلينيك روائية من النمسا، حازت على نوبل للآداب

* مقتطف من رواية معلمّة البيانو /   ترجمة: خالد الجبيلي - دار ورد دمشق، سورية
** مختارات من هذا المقطع

 

 

عــودة >>

  شارك هذه الصفحة / المقالة Bookmark and Share

 
بحث مخصص

عن المسيرة الالكتروني  |  جميع الحقوق محفوظة للمسيرة الالكتروني © 2004-2009م  |