|
هتاف في الصحراء*
فولفغانغ هلدسهايمر

The Ghost of Vermeer - S.Dali
".. مع أنني لم أبحث عن شيء محدّد بل مازلت الى حد
ما، وكالعادة أيضاً، في المرحلة الأولى من البحث، فقد أخذت أبحث عن شيء
غير مكتشف، لكنه جدير بالاكتشاف. كان هدفي، مثلما هو مألوف دائماً،
غامضاً، غير محدد، و كذلك خطّ رحلتي المتماثل مع هدفي."
".. في العصر هبت ريح ضعيفة لكنها خبيثة، نفحة
قاسية جافة من النوع الذي لا يعلن عن قدوم كارثة، انما يقتل باصرار
وديع ناعم. كانت تطنّ –هل كانت تفعل ذلك حقّاً؟ نعم كانت تطن حول
أذنيّ- و الآن فقط أدركت أنني لم اسمع اصواتاً منذ ساعات، لذلك لم يثر
حفيف الريح امتعاضي حيث كنت أخوض في الرمال وتد الى آخر أبعد منه
مسافة. نعم هذه هي المفردة: أخوض. إلاّ أنني تقدّمت في الاتجاه المعاكس
للريح ولسلسلة الكثبان المحاطة بالوهاد والشعاب، و المعاكس أيضاً
للمساء المنذر بالحلول، فاختلط في تلك الأثناء صوت محدّد بحفيف الريح
تاركاً الطنين يحمله، صوت رنّان شاك مستغيث مثل ناي خشبي، كلاّ، بل ناي
عظمي، نوطة صول مرتفعة، يصوب بقوته كلها في اتجاه الريح، الا انه، على
العكس من الريح، كان يشتدّ حتى طغى على الطنين نفسه. تقدّمت و أصبحت
قريباً منه، وبعدحين وقعت على مصدره عند وتد. كان يرقد هنا هيكل عظمي
لإنسان ممدد باستقامة تامة، كما لو أنه وهب نفسه للشمس لكي تستمتع به
دون قيد أو رادع. كانت الريح تعزف في قفصه الصدري الذي يشبه آلة دائرية
الشكل نصفها قيثارة والنصف الآخر ناي، مثل قرية نفخ تامة، تبعث نغمة
شجية شاكية، نداءً منفرداً وحيداً في الصحراء. .."
".. إنه صرحٌ متوج بقبة القفص االصدري التي تجوس
فيه الريح أسيرة وتغني. كلاّ، إنه لم يكن باحثاً، إنما ينتمي الى عصر
ماقبل الابحاث والاكتشافات. لقد مرّ الباحث من هنا وثبّت عموداً علامة
على أن ثمة شيئاُ يمكن أخذه من هذا الموضع أثناء العودة. بلا شك أنه لا
يزال يواصل طريقه، إلا أنني لم أر شيئاً سوى رهبة الصحراء و رعبها
الصامتين. بدأ الجو يصبح معتماً وبارداً و أخذ الليل يتقدم مرفرفاً
بأجنحته هائلاً، مطأطئ الرأس والجسَد، طاوياً الألوان كلها."
".. كنت أرتدي جزمة الهيكل العظمي. تطلّعتُ حوْلي
ثانية: تراءت لي الصحراء مأهولة، دبّت فيها الحياة، يعيثُ فيها لصوص
الجثث و نهبة الهياكل العظمية ونباشو القبور و خاطفوا الأموات غير
المرئيين الذي تواروا خلف تلال الرمل، فشعرت بنظراتهم مصوبة نحوي، حيث
مر أكليل مشع للنظرات الشرّيرة. التفتّ نحو الإتجاهات جميعها، وطويت
يدي على شكل قمع يشبه السمّاعة ثم هتَفت عالياً (هالو)، غير ان الهتاف
كان مضحكاً لا يطاق، إنتشر مثل سحابة من الشؤم العديم الصدى، والتي
تخنق، هي نفسها، كلَّ صدى. أمّا الفكرة التي طرأت في ذهني و هي ان
أحَداً أو شيئاً ما كان يُجاوبني أصبحت أشدّ و طأة من الهتاف نفسه. و
من بين الكثبان و الفجوات إنهمرت الآن كتلة الظلام ثم تدحرجت في اتجاهي
مطفئة الألوان كلها. تناولت غطائي وحقيبتي على عجل ووضعت قدمي على
طريق الرجوع، ناحية الشمال. أخذت أتعثّر و أنا أتقدّم مُحنياً قامتي
الى الأمام، و أجرجر ساقي بصعوبة بالغة متلهفاً الى قطع الصحراء وجعلها
خلف ظهري. لكنني ماكدت أصل الى الوتد المغروس أمامي حتى أطبق الليل
عليّ و طرحني أرضاً ، فتمرّغت في الرمل. بتّ مُنهكاً تماماً، فغفوت على
الفور. حلمت بأنني كنت ملتحياً و مُمتطياً حماراً لكي أذهب إلى
المدرسة. كان حلمي لا يفسر، حسبما بدا لي، إلا عبر أقصى الاحتمالات،
بالرغم من تقلبه و انعكاسه و تقدير محتواه الضئيل بالرموز. لذلك لم
أحاول تفسيره، لأنني تذكرت في تلك اللحظة انني لم أقرأ عملاً أو قصة أو
تقريراً الى النهاية اذا كان يتضمّن حلماً، فالغزل التي تنسج منه
الاحلام لا علاقة له بخامة القراءة اللامعقولة التي يبتدعها المؤلف لكي
يخلق توازناً رمزياً يتطابق مع قصته التي يكتبها من خلال وسائل ومواد
زهيدة."
فولفغانغ هلدسهايمر
(1916-1991) قاص من هولندا
* مقتطفات من القصة، ترجمة حسين الموازني/مجلة عيون
- العدد الخامس 1998
خاص بالمسيرة
الإلكتروني
|