|
الضّمير *
لوتريامون

Cannibalism in
Autumn-S.Dali-1937
.. من الموافق ألاّ أدعَ الضمير يقطع الطريق عليّ . فلو أنّه كان قد
مثُل أمامي بالتواضع و الحياء الملازمين طبقته لكنتُ أصغيتُ إليه . ما
كنتُ لأحبّ كبرياءه . مددت يدي ، وتحتَ أصابعي سحقتُ الأظافر ؛ تناثرتُ
هباءً تحت الضغط المُتزايد ، ضغطُ هذا الهاون الجديد الطراز . مددتُ
اليدَ الأخرى و اقتلعتُ رأسه . ثم طردته من منزلي ، بضربات السوط ، و
ما عدتُ رأيتُ لهُ وجهاً . إحتفظتُ برأسهِ كتذكار لانتصاري .. أمسكتُ
رأساً بيدي ، كنتُ أقضمُ جُمجمته ، و انتصبتُ على رجلٍ واحدةٍ ، كمالك
الحزين ، فوق شفير الهاوية المحفورة بلحف الجبل . و رآني بعضهم أهبطُ
الوادي بينما كان جلد صدري جامداً ، هادئاً كغطاء قبر ! و بينا كنتُ
أمسكُ بيدي رأساً أقضمُ جُمجمته ، سبحتُ في أشدّ اللجج خطراً ، و
حاذيتُ الهاديات المميتة ، و غطستُ الى أن غاب عن بصري النافذ . و كان
المغصّ السميج ، بمغناطيسهِ الذي يجرّ الشلل ، يطوّفُ حول أعضائي فيشقّ
الأمواج بحركاتٍ قويّة دون أن يجرؤ على الدنو منّي . ورآني بعضهم أعود
سليماً معافىً الى الشاطئ ، بينما كان جلد صدري جامداً ، هادئاً كغطاء
قبر ! و بينا كنتُ أمسكي بيدي رأساً أقضمُ جُمجمته ، اجتزتُ الدرجات
الصاعدة ، درجات برج رفيع . وصلتُ ، تعب الرِّجلين ، الى قمّته
المدوّخه . نظرتُ الى الحقل و البحر؛ نظرتُ الى السماء و الجَلَد . وإذ
دفعتُ برجلي الصوان الذي لم يتراجع ، تحدّيتُ الموت و الثأر بصراخ
هازئٍ عظيم ، و انطرحتُ كالبلاطة بشدق الفضاء . سمَعَ النّاسُ دويّاً
أليماً هو دويّ الأرض إذ التطم بها رأسُ الضمير الذي كنتُ قد أفلته
بهبوطي . ثم رآني النّاسُ أنزل بطيئاً كالطائر ، تحملني سحابةٌ لا تُرى
، فالتقطتُ الرّأس لأجبره أن يكون شاهداً على جريمةٍ مثلّثة كان عليّ
أن أقترفها في ذلك النهارُ بالذات ، بينما كان جلد صدري جامداً ،
هادئاً كغطاء قبر ! و بينا كنتُ أمسكُ بيدي رأساً أقضمُ جُمجمته ،
اتجهتُ شطر المكان الذي تنتصبُ فيه ركائز المقصلة . و صعتُ نعومةَ
أعناق فتياتٍ ثلاثٍ تحت شفرة المقصلة . و كأنني منفّذ الأعمال العظيمة
، أرخيتُ الشريط كأنّما ورائي خبرة حياةٍ كاملة . فهوى الحديدُ المثلّث
، بانحرافٍ ، و بترَ الرؤوس الثلاثة التي كانت تنظرُ إليّ بحنان .
بعدها وضعتُ رأسي تحت الشفرةِ الثقيلة ، و أعدَّ الجلاّدُ إتمام عمله .
ثلاثُ مرّاتٍ تهاوت الشفرة القاطعة بعزمٍ يتجدّد على الدوام . و ثلاثُ
مرّاتٍ كان هيكلي المادي ، و بخاصّةٍ عند منطلق العُنُق ، يهتزّ حتى
أسسه ، كما عندما نتصوّرُ في الحلم أن منزلاً ينهارُ فيسحقنا . تملّكت
الشعبُ الدهشة فتركني أعبرُ لأبتعدَ عن الساحةِ المأتميّة . رآني أشقُّ
بمرفقيّ لججه المُتماوجة ، و اتحرّك ، وملءَ بردتيَّ الحياة ، فأتقدّمُ
أمام وجهي مستقيمَ الرّأس ، بينما كان جلد صدري جامداً ، هادئاً كغطاء
قبر ! كنتُ قلتُ إنّني أريدُ أن أدافعَ عن الإنسان ، هذه المرّة . و
لكنّي أخافُ ألاّ يكونَ دفاعي هذا تعبيراً عن الحقيقة . و عليه ،
فأؤثرُ الصّمت . سوف تُصفّقُ البشريةُ بامتنان لمثل هذا القرار !.
* مُقتطفات - " أناشيد مالدورو " لوتريامون 1867م - ترجمة رَوّاد
طَربيْه 1994 م
خاص بالمسيرة
الإلكتروني
|