|
الأخلاق*
سبينوزا
Gallery of Views of Ancient Rome-1758-G.
P. Pannini
" سأكتبُ عن الكائنات البشرية ، و كأنني أكتبُ عن الخطوط و السطوح و
الاجسام الجامدة . وقد حرصتُ على ان لا اسخر أو العنَ أو أكرهَ الأعمال
البشرية بل افهمها ، ولذلك نظرتُ الى العواطف .. لا باعتبار كونها
رذائل و شرور في الطبيعة البشرية و لكن بوصفها خواص لازمة لها كتلازم
الحرارة و البرودة و العواصف و الرعد و ماشابهها لطبيعة الجو . "
" على الرغم من انّني أجدُ أحياناً بطلان النتائج
التي جمعتها بعقلي و تفكيري الطبيعي ، و لكن هذا لن يزيدني إلاّ
اقتناعاً ، لأنّني سعيد في التفكير و جمع المعلومات و لا أضيّع أو قاتي
في التحسّر و الحزن ، بل انفقها في السلام و الصفاء والسرور . "
المادةُ والعقل
السرورُ و الألم هما ارضاءُ الغريزة أو تعطيلها ، وهما ليسا سببين
لرغباتنا بل نتيجة لها ، اننا لا نرغبُ في الاشياء لأنها لاتسرنا ، و
لكنها تسرنا لأننا نرغبٌ فيها و لا مناص لنا من ذلك.
ويترتّبُ على ذلك ان لا يكون للانسان ارادة حرة ، لأن ضرورة البقاء
تقرّر الغريزة ، و الغريزة تقرر الرغبة ، و الرغبة تقرّر الفكر و العمل
. و قرارات العقل ليست سوى رغبات ، و ليس في العقل اردة مطلقة او حرة ،
وهناك سبب يسيّر العقلَ في ارادة هذا الشيء او ذاك ، وهذا السبب يسيّره
سببٌ آخر ، و هذا يسيّره سبب آخر و هكذا الى مالانهاية ، يظنُّ الناس
أنّهم احرا لأنّهم يدركون رغباتهم ومشيئاتهم ، و لكنهم يجهلون الاسباب
التي تسوقهم الى ان يرغبوا او يشتهوا .
يمكنُ مقارنة الشعور بالارادة الحرّة بحجر رُمي الى الفضاء و ان هذا
الحجر لو وهب شيئاً من الشعور لظن ّ اثناء رميه وسيره في الفضاء انّه
يقرّر مسار قذفه ، و يختار المكان والوقت الذي يسقطُ به على الأرض .
العقلُ و الأخلاق
ان اللذة هي انتقال الانسان من حالة كمال اقل الى حالة أعظمُ كمالاً .
و الألمُ هو انتقال الانسان من حالة كمال أعظم الى اخرى أقلّ كمالاً .
و انا أقولُ انتقال لأنّ اللذة ليست كمالاً في حد ذاته : فلو ولد انسان
كاملاً لما شعرَ بعاطفة اللذة ، و نقيضُ هذا يزيدُ الأمرَ وضوحاً .
أنا أفهمُ من العاطفة اوضاع الجسد التي تزيدُ فيه أو تنقصُ قوة العمل
والتي تساعدُ أو تقيّد هذه القوة ، وأفهمُ منها في الوقت ذاته الأفكار
التي ترافقُ هذه الأوضاع .
و أنا أقصد بالفضيلة و القوة نفس الشيء .
و كلما زادت مقدرة الانسان في الاحتفاظ ببقائه و البحث عمّا ينفعه
كلّما زادت فضيلته .
لا يهملُ انسانٌ شيئاً نافعاً له الا اذا كان يرجو خيراً أعظم منه .
فإذا كان العقلُ لا يطلبُ شيئاً يتعارض مع الطبيعة ؛ لذلك يجبُ على كل
انسان ان يحبَّ نفسه ، و يبحثُ عمّا يفيده ، و يسعى الى كلّ شيء يؤدّي
به في الحقيقة الى حالةٍ أعظمُ من الكمال . و ان كلّ انسان يجبُ ان
يحاول المحافظة على بقائه كلّما استطاع الى ذلك سبيلاً .
إن محاولةَ الفهم هي الأساس الأوّل و
الأوحدُ للفضيلة . و انّ العاطفة فكرةٌ ناقصة . بحيثُ أنّ الفكرة يجبُ
الاّ تنقصها حرارةُ الرغبة ، كما أنّ الرغبة يجبُ أن لا ينقصها ضوء
الفكرة . لأنّ العاطفة لا تظلّ عاطفة اذا ما تكوّنت في الذهن عنها
فكرةٌ و اضحةٌ جليّة .
* مُقتطفات ، " الأخلاق
مؤيّدة بالدليل الهندسي"
سبينوزا 1665م - ترجمة
د. فتح الله المشعشع.
خاص
بالمسيرة الإلكتروني
|