|

رأيتُ شيئا أبيض في السماء. يقولون لي أنه
القمر، لكن ما عليّ أن أفعله بهذه الكلمة، بهذه
الميثولوجيا كلها.
الأشجار تثير خوفا فيّ. إنها بمثل هذا الجمال.
الحيوانات الهادئة تقترب مني كي أسّميها بأسمائها.
ليس ثمة حروف في كتب المكتبة. لكن حين
أفتحها تبرز الحروف.
وحين أتصفح الأطلس أختلق شكل سومطره.
وهذا الذي يشعل عود ثقاب في الظلام، يكون من إكتشف النار.
في أعماق المرآة شخص آخر، متربص،
وهذا الذي ينظر الى البحر يرى إنكلترا.
وهذا الذي يُلقي أبيات ليلينكرون *
يبدأ المعركة.
حلمتُ بقرطاجنة، بفرق الرومان التي
إذاقتها العذاب.
حلمتُ بالسيف والميزان.
مُبارك هو الحب الذي ليس فيه طرف مالك
وآخر مملوك، فكل منهما مخلص للآخر.
مُباركة كوابيس النوم، فبفضلها نصدّق
بوجود الجحيم.
هذا الذي ينزل النهر يغطس في نهر الغانغيس
هذا الذي ينظر في الساعة الرملية يرى كيف
تتقوض الإمبراطورية.
هذا الذي يلهو بالخنجر
يتوجس موت القيصر.
هذا الذي ينام هو الناس أجمعين.
في الصحراء رأيتُ أبا الهول فتياً إنتهى نحت هيئته قبل قليل.
لا قديم تحت الشمس.
كل شيء يحدث للمرة الأولى لكن وفق نموذج الأبدية.
من (السعادة) خورخي لويس بورخيس - تابع
القصيدة>>
|
|
|

دفع بدمعته الرسول، وهام طي رسالة لم يحملها،. أُخذ بالتهدّج،
ناله يأس الكائن، فراغ الأمل من صاحبه، نفاذ السكين، عري
الوردة من شوكتها. وهذا الليل الذي لا يحسن مدافعته، حين
الأصدقاء بمناكب مذعورة يخلون سرير محبتهم، و يتهافتون إلى
مراكب مُخلّعة، مشقوقة الأشرعة. يعرفون أنها ليست مأوى في
اليابسة، ولا تصمد لماء.
يغادرون فحسب لأن الرسول فاضت به الدمعة، و انجرحت منه
الحنجرة؛ فطاشت سهام خفية لا ترأف. سأمها ضار يبدد الروح،
ينثلر الجمر في اللحم. يتسمّى الجرح بإسمه. تنكتب الخيانة.
تطلع عروقها السوداء. وفي الهشيم يبيّن رداءه. بقيّة من رداء
لا تستر جثة شاخت واسترسلت في العتمة، يرجفها برد العقوق، نظرة
مقصوفة لطائر فركت أجنحته.
ريش في الهواء. يثقلُ. يحطّ. يأتيه
الدّمع من كل مكان. يثقل. يحطّ. يزفرُ. يفرفرُ.
لمعت الذكرى وانساب الحنين عن أخلاّء
متروكين.. مقذوفين بغير يدِ تهمسُ بالوداع.
ظهور تراصّت، بطّطتها القسوة. شروخ تطلّ
على النسيان. هاوية موَّهتها الخديعة، مكيدة تتربّص. صخرة نهضت
من أول الليل تفحصُ وليمتها؛ تتبع خيط الدمع شاغر الخطى. فم
الكهف يقترب. ينصب اليأس مشنقته للعابر بدمعته ، للزائل بلا
أثر.. بلا حلم يهوّن.. بلا نطفة من ضوء يريقه. الصخرة
من
(يخلون سرير محبتهم) عبدالله السفر - تابع البقية >>
|
|

رائحةُ الأرض وحدها تدخل من النَّافذة المفتوحة.ونهضت، ومددت
يدي إلى المطر كأنني متسوِّل.وفجأة، رغبت في البكاء.
كان ثمَّة حزن، ليس من أجلي، ليس لي، أعمق، وأظلم، يتصاعد من
الأرض النديَّة.
إنه كالرُّعب الذي يتملَّك الحيوان الذي يرعى، بلا مبالاة، ثم
يشمّ حوله فجأةً، في الفضاء، دون أن يرى شيئاً، أنه مُحاصَر،
لا يستطيع أن يُفلت.
وكدت أُطلق صرخةً، مدركاً أن ذلك سيعيد الهدوء إلى نفسي لكنني
خجلت.
وكانت السَّماء تنخفض أكثرَ فأكثر.ونظرت من النافذة: كان قلبي
يرتعد بهدوءٍ.إنها للذيذةٌ، وحزينةٌ جداً، تلك السَّاعات من
المطر النَّاعم، تعيد إلى الذِّهن جميع الذِّكريات المُرَّة،
المدفونة في القلب: فراقُ الأصدقاء، ابتساماتُ نساء قد انطفأت،
آمالٌ قد فُقدت أجنحتها كفراشاتٍ لم يبقَ منها إلا الدُّود.
ولقد وقف هذا الدُّود فوق أوراقِ قلبي وراح يقرُضها.ورويداً
رويداً، عبرالمطر والأرض النَّديَّة، صعدَت من جديد ذكرى
صديقي، المنفيّ هناك، في القوقاز.
وأخذتُ ريشتي، وانحنيت على ورقي، وأخذت أحدِّثه، لأمزِّق شبكة
المطر وأتنفَّس.
((أيها العزيز جداً، أكتب إليك من شاطيءٍ منعزلٍ في كريت، حيث
اتَّفقنا، أنا والقدر، أن أبقى عدة شهور لأمثِّل، أمثِّل دور
الرأسماليِّ، مالك منجم للينيت، رجلَ أعمال.
وإذا نجح تمثيلي، فسأقول آنذاك إنه لم يكن تمثيلاً، بل إنني
اتخذت قراراً كبيراً، قراراً بأن أغيِّر حياتي.
((أنت تذكر أنك دعوتني، وأنت مغادرٌ، ((بالفأر قارض
الورق))فأثرتَ غضبي، وقررتُ آنذاك، أن أهجرَ القِرطاس لفترة من
الزَّمن-أو دوماً؟-وألقي بنفسي في العمل.
فاستأجرتُ تلاً صغيراً يحتوي على الِّلينيت، وتعاقدت مع
عمَّال، واشتريت معاولَ، وأرفاشاً، ومصابيح الإستيلين،
وسلالاً، وعربات، وحفرت أنفاقاً ودفنت نفسي فيها.
هكذا، كي أثير غَضبك.وتحوَّلت، بسبب الحفر وشقّ الدَّهاليز في
الأرض، من فأرٍ قارض للورق إلى خُلد.
فأرجو أن تُسَّر لهذا التحوُّل .
((إن أفراحي هنا كبيرة لأنها في غاية البساطة، مصنوعة من
عناصر خالدة: هواء صافٍ،شمسٌ، وبحر، وخبزُ حنطة.وعند المساء،
يُحدِّثني، وهو جالسٌ أمامي، سندبادٌ بحريٌ رائع، يتحدَّث
ويتَّسع العالم كلَّما تحدَّث.وأحياناً، عندما لا تَسدُّ
الكلمة حاجته، ينتصبُ قافزاً ويرقص.وعندما لا يكفيه الرَّقص
نفسه، يضع السانتوري على ركبتيه ويبدأ بالعزف.)
مقتطف
من رواية
(زوربا) نيكوس كازنتزاكيس
- تابع البقية>>
|

6
حُلمي يَقَظةٌ و
حَدْسي زُور،
و تهلكةٌ مرهونة تساومُ بجَسَدي
.. ملاذاً للنّكبة.
موجَتي،
لم تجد شاطئاً لَها
فارتَطَمت بأسفلتِ المُدُن
نَجْمَتي،
لم تجد سَماءً تضيءُ فيها
..فتخبّأت.
وذات وضُوءٍ،
مسَحْتُ عن قَدَمٍ
ونسيتُ الأخرى
"أفكلّما نحُل الغريب،
وخفّ سريره
تمزقت الغرفة" (3)
7
كلّما حملقتَ في عقاربِ السّاعة،
يقفزُ عقربٌ.. ويلدغ جفْنيك..
عندَما تَرْهنك ساعةُ معْصمك
وتستنفدُك معنىً وحيداً لها:
لابد أنك تأخّرت..
أو بكّرت في كل شَيْءٍ تفعله!
لسْت سوى مَسْألة وقْتً
و اتفاقٌ بُرجوازي لا يتطلّبُ حضورَك!
أي ابْتذالٍ تواطأت عليه عقولُنا
لنُلدَغَ.. مابين عَقْربين.
"السعداء.. لا تدقّ ساعاتهم"
11
"مولدٌ واتصالٌ ثم مَوت،
تلكَ هي كُلّ الحّقَائق
حين تُدَقُّ المَساميُر
في النّعوش" (5)
عن المَارقين..
عيونُهم الحَزينَة
تقهرهُم السّنون
وتمزّقهُم أجالٌ قَصِيرة
و الحياةُ..
على كُلّ حالٍ تَسير،
و تظلُّ كذلك
تُغرّر بكلّ جيل
وتواجُه كلّ فَرْد،
.. على كُلّ حالٍ تَسَير.
تلك القَوّةُ العِمْلاقة،
تسيرُ في صَمْت.
مقتطفات من قصيدة (مدن العزلة) د. شريف بقنه الشهراني
مجموعة (مدنُ العُزلة) المؤسسة العربية بيروت/2007م
تابع
البقية >>
|
|
كلُّ قصيدةٍ هي بدايةُ الشعر
كلُّ حبٍّ هو بدايةُ السماء.
تَجذري فيّ أنا الريح
اجعليني تراباً.
سأعذبكِ كما تُعذب الريحُ الشجَرَ
وتمتصّينني كما يمتصُّ الشجرُالتراب.
وأنتِ الصغيرة
كلُّ ما تريدينه
يُهدى إليكِ الى الأبد.
مربوطاً إليكِ بألم الفرق بيننا
أنتَزعُكِ من نفسكِ
وتنتزعينني،
نتخاطف الى سكرة الجوهريّ
نتجدّد حتى نضيع
نتكرّر حتى نتلاشى
نغيبُ في الجنوح
في الفَقْد السعيد
ونَلِجُ العَدَم الورديّ خالصَين من كلّ شائبة.
ليس أنتِ ما أُمسك
بل روح النشوة.
... وما إن توهّمتُ معرفةَ حدودي
حتى حَمَلَتني أجنحةُ التأديب الى
الضياع.
لمنْ يدّعي التُخمةَ، الجوعُ
ولمن يعلن السأمَ، لدغةُ الهُيام
ولمن يصيح " لا! لا!"، ظهورٌ موجع لا يُرَدّ
في صحراء اليقين المظفَّر.
(كل
قصيدة.. كل حب) أنسي الحاج - تابع البقية >>
|

قليل من الشعراء من استطاع بلوغ حزن أودن في
قصيدته (لحن جنائزي حزين) ووصفه لمصاب فقدان عزيز، ولعل الكثير من
المتفرجين اذرفوا الدموع عندما قرأت القصيدة بصوت عال في مشهد العزاء
للفيلم المشهور (أربع زيجات و عزاء) (المترجم)
أوقفوا كلّ الساعات، اقطعوا التليفون،
امنعوا الكَلب من العواء و اللهاث بعظمته،
صَمْت، بيانو يعزف وصوت كظيم يئن من طًبله
أحضروا التابوت هنا، وأقم الحِـداد.
اجعلوا الطائرات تحوم فوق رؤوسنا وتنوح
تغبّشُ على صفحة السّمـاء رسالة (لقـد مــات).
وعلى أعناقِ الحمام الأبيض اربطوا شارة الحداد،
دعوا رجُل المرور يلبس قفازات من القطن الأسود.
لقد كان شمالي، جنوبي، كان شرقي وغربي،
كان أسبوع عملي و أجازة الأحد
كان ليلي، منتصف ليلي، حديثي و أغنيتي
لطالما ظننت أن الحب يبقى للأبد، لكنني كنت مخطئاً.
(لحْن جنائزي حَزيـن) و. هـ,. أودن
ترجمة: د. شريف بُقنه- تابع البقية >>
|